أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

153

عجائب المقدور في نوائب تيمور

الأكابر والأصاغر بأنواع العذاب ، وبدا للخلق ما لم يكن في الحساب ، واستخلصوا بإصلاء النار جواهر الناس منهم خلاصات الذهب ، وصنفوا في استخراج النفائس من النفوس بأصناف العذاب ، مسائل يقضى منها العجب ، وفرقوا بين الوالدة وولدها ، والروح وجسدها ، وذهلت كل مرضعة عما أرضعت ، وجازوا كل نفس بما صنعت ، وبغير ما صنعت ، وفر الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ وصار لكل منهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ « 1 » وذل العزيز والكريم ، وهان الخطير والجسيم ، وطم البلاء وعم القضاء ، وطاشت الحلوم ، وتبلدت الفهوم ، وتراكمت غيوم الغموم ، فأقسم بالله لقد كانت تلك الأيام ، علامة من علامات يوم القيام ، وأسفرت تلك الساعة ، عن أشراط الساعة ، واستمر هذا النهب العام ، نحوا من ثلاثة أيام . ذكر إلقائهم النار في البلد لمحو الآثار ثم إنهم لما أنهوا العيث والعبث ، وقضوا في حج فسادهم التفث ، وأتموه بالفسق والجدال والرفث ، وطافوا وسعوا في المنكرات ، ورموا في البيوت النار وفي القلوب الجمرات ، وأفاضوا ما أراقوا من دماء المسلمين الواقعين في الإحصار ، ورملوا في أشواط الاحراق ، فأرسلوا في حرم المدينة شواظا من نار ، وكان فيهم من روافض الخراسانية ، فاطلقوا النار في جامع بين أمية ، فتشبثت النار بلهيبها ، وساعدت الريح بهبوبها فتساوقا في محو الآثار ريحا ونارا ، واستمر على ذلك بإذن الله تعالى ليلا ونهارا ، فاحترق ما بقي من النفائس والنفوس ، وانمحى بلسان النار ما سطر على لوح وجود المدينة من الدروس ، وأمست تلك المغاني لا تسمع فيها لا غية ولا الهمس ، وأصبحت حصيدا كأن لم تغن بالأمس ، وذلك بعد أن أظهروا ما أخذوا من أموال ، وأوسقوا منه الأحمال .

--> ( 1 ) - سورة عبس - الآيات : 34 - 37 .